د .عدنان الصنوي لصحيفة الجمهورية : يمكننا الاستفادة من الفرص المقدمة من منظمة التجارة العالمية بإلغاء اجراءات الحماية والدعم ورفع الضريبة على المنتجات المستوردة

حاوره / منصور السروري

الجمهورية : لم يغب الاقتصاد عن القضايا المطروحة أمام مؤتمر الحوار الوطني بل أنه يمثل محوراً ضمن المحاور التسعة للمؤتمر لكن إلى أي مدى تستطيع اللجنة الخاصة بهذا المحور ان تضع البنى اللازمة لممكنات الانتعاش الاقتصادي؟

أولاً : أوجه جزيل الشكر لكافة محرري وموظفي مؤسسة صحيفة الجمهورية وتحديداً للأخ رئيس مجلس الإدارة الاستاذ سمير اليوسفي الذي استطاع بحرفية ومهنية ان يواكب التحولات الوطنية جاعلاً من صحيفة الجمهورية منبراً رسمياً أستطيع أن أقول أن هذا المنبر لا يختلف كثيرا عن المنابر الصحفية الرسمية في البلدان المتقدمة حيث تقوم دور النشر بدور مزدوج من وإلى أي انها في حين تغطي أخبار المؤسسات الرسمية في الدولة للمجتمع تنقل في ذات الوقت خطاب المجتمع الذي يصوغه إعلامه ، أو همومه ورؤاه عبر هكذا حوارات واستطلاعات هي بمثابة العين التي تنقل للدولة واقع المجتمع ، واعتقد أن الجمهورية استطاعت أن تقوم بهذا الدور من بين كل الصحف سواء الرسمية أو الحزبية أو الأهلية الأخرى .

ثانياً : من المبكر تقدير ما ستسفر عنه مخرجات مؤتمر الحوار الوطني بشأن موضوع الاقتصاد الوطني .
لهذا يجب ألا يغيب عن بال المتحاورين ، والقيادة السياسية ، وجميع المعنيين بأمر هذا البلد ، ومستقبل هذا البلد أن مكمن الحل لجميع المشكلات اليمنية المزمنة هي في إيلاء الجانب الاقتصادي كل الاهتمام لكونه يمثل الجذر الرئيس لفشل كل التحولات اليمنية على مدى نصف قرن .
عندما قانت ثورة 26سبتمبر كانت اول مشكلة واجهتها هي المشكلة الاقتصادية ، بعد انتصار ثورة اكتوبر وتحقيق الاستقلال وقفت المشكلة الاقتصادية من أول يوم امام الدولة الناشئة ، دولة الوحدة 1990م اصطدمت بالمشكلة الاقتصادية ، وقامت ثورة 11فبراير ضد الاوضاع المختلفة في البلاد ، وتأكد أن اول من سيحد من سرعة تلبية مطالبها هي المشكلة الاقتصادية ، وعلى الجميع أن يعرف أنها التحدي الاول من بين كل التحديات .

إننا منذ فترة طويلة وتحديدا منذ عقد ثمانينيات القرن الماضي والاقتصاد اليمني يعاني من مشكلات عدة ( التضخم ، والبطالة ، وانخفاض الدخل القومي الذي نتج عنه انخفاض نصيب الفرد الواحد من ذلك الدخل ) إضافة الى فشل عملية الاستثمار فضلا عن اللوائح التنظيمية التي استمرت الدولة تضعها ، ناهيك عن الاشكالية الضخمة المتعلقة بدور كل من القطاعين العام والخاص في القيام بعملية التنمية الاقتصادية ، وناهيك عن سوء توزيع الدخول والثروات بين افراد المجتمع اليمني هذه كلها عوامل عملت على تثبيط همم الاستثمار .
وبوجود البيئة الاقتصادية ، والاستثمار يفجر المجتمع طاقاته في الانتاج ، وبغيابها يُخلق الفراغ الذي لا يمكن ملئه بغير انتهاج خيارات الانتفاضات أو الصراعات التي تنتهي غالباً بحروب آهلة وتمزقات وتشظيات اجتماعية ، وهكذا دواليك .
إن أحد أهم العوامل لنجاح كل الحلول والمخرجات للمشاكل الوطنية بدرجة رئيسة هي رهن الانتعاش الاقتصادي .

الجمهورية : طيب أين يقف الاقتصاد اليمني اليوم على ضوء السمات الرئيسية لاقتصاد السوق أو الاقتصاد الحر؟

د . عدنان الصنوي : سأبدأ الإجابة على السؤال من شقه الأخير .. أي من السمات الرئيسية لاقتصاد السوق أو الاقتصاد الحر الذي يسمى أحيانا باقتصاد الدول الرأسمالية الحرة ، وما يميز هذا النظام ، أو من سماته الرئيسة هو الحرية الاقتصادية التي تعني ابتعاد الدولة عن تنظيم الحياة الاقتصادية ، وانحسار دورها على القيام بنشاطات الأمن الداخلي والدفاع عن البلد ، والقيام بالنشاطات السياسة الخارجية ، وتوفير بعض الخدمات الضرورية للسكان ، كتوفير الطاقة والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم الأساسي ، وان ينفرد القطاع الخاص بمزاولة النشاطات الاقتصادية سواء عن طريق الشركات أو الأفراد ، وان تكون السوق هي المحدد لفعالية وربحية النشاطات الاقتصادية بتأثير تيارات العرض والطلب داخل السوق ، دون تدخل الدولة لحمياتها وتنظيم نشاطاتها ، توخيا لتحقيق المنافسة المتكافئة بين المؤسسات الاقتصادية داخل السوق.
وتنفيذا لهذا التوجه أصبحت المنظمات الدولية وخاصة منظمة صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية، تشترط للحصول على عضويتها ، والاستفادة من نشاطاتها ، أن تلتزم الدولة بعدم تطبيق القيود على حركة انتقال السلع ورؤوس الأموال فيما بينها وبين الدول الأخرى ، مثل إجراءات الدعم ، وإجراءات حماية الاقتصاد الوطني التي تشمل الرسوم الجمركية وإجراءات منع الاستيراد وحصص الاستيراد في سبيل توفير المنافسة المتكافئة بين مؤسسات الدولة ومؤسسات الدول الأخرى.
ومن الدول التي تطبق هذا النظام حاليا الولايات المتحدة الأمريكية ، ودول الاتحاد الأوروبي ، واليابان ، وكندا وأستراليا.

لهذا تتجه الكثير من دول العالم نحو تطبيق اقتصاد السوق وفق الصيغ التي تأخذ بها الدول المتطورة بعد فشل الأنظمة الاشتراكية ، والمصاعب الكثيرة التي تعاني منها الدول النامية من جراء تطبيق إجراءات الحماية وتدخل الدولة في تنظيم الحياة الاقتصادية.

الجمهورية : السؤال الذي يثار هنا على ضوء السمات التي ذكرتها هو هل ينبغي تطبيق نهج اقتصاد السوق وفق الصيغ التي تطبقها الدول المتطورة عندنا في اليمن في الوقت الحاضر؟

د .عدنان الصنوي : قبل الإجابة على هذا السؤال دعني استكمل الإجابة على الشق الأول من السؤال الأول ” واقع الاقتصاد اليمني حاليا ” .
واقع الاقتصاد اليمني في الوقت الحاضر يعاني من مشاكل مستعصية ، وكل قطاعاته المنتجة شبه معطلة .
عندك القطاع الزراعي ــ الذي يعتبر المصدر الرئيسي لتوفير الأغذية للسكان ، والمواد الأولية ذات الأصل الزراعي للصناعة ، والذي يعتمد على موارده اكثر من ثلث السكان أصبحت ـــ أراضيه الصالحة للزراعة تقل ، وتتضاءل بشكل سريع بسبب مشاكل شحة المياه ، والتملح ، والتصحر ، وهجوم شجرة القات على الأراضي الزراعية .

والمزارع اليمني اصبح في الغالب عاجز عن مواجهة هذه المشاكل بإمكانياته المالية والتكنولوجية الشحيحة ، فضلا عما يعانيه من ارتفاع كلف عناصر الإنتاج في السوق المحلية.
وإزاء هذه المنافسة الشديدة للسلع الزراعية المستوردة تدهور الإنتاج الزراعي واضطر الكثير من المزارعين العزوف عن الإنتاج الزراعي والهجرة إلى المدن أو العمل في المؤسسات الحكومية أو غيرها من مجالات العمل غير الزراعي.
القطاع الصناعي أيضا ليس بأفضل حال من القطاع الزراعي .. إذ أن اغلب المؤسسات الصناعية إما متوقفة عن العمل كليا ، أو أنها تعمل بظروف صعبة للغاية نتيجة تقادم أجهزتها التكنولوجية ولارتفاع تكاليف إنتاجها ، وهي بسبب هذه المصاعب الإنتاجية أصبحت هي الأخرى عاجزة عن منافسة السلع الصناعية المستوردة التي تحظى بمزايا النوعية الجيدة وانخفاض تكاليف الإنتاج.
علاوة على هذه الحالة المزرية لمختلف القطاعات الإنتاجية يضاعف تفاقم البطالة معاناة الاقتصاد اليمني فعدد العاطلين يتجاوز 40% من السكان الراغبين في العمل ، بينما تتجاوز البطالة المقنعة 60% من العاملين فعلا.
و ازدياد نسب البطالة يمثل انعكاسا لتردي حالة المؤسسات الإنتاجية لان الإنتاج هو المصدر الرئيسي لتشغيل القوى العاملة.
من هنا يبدو واضحا أن تطبيق أسلوب اقتصاد السوق وفقا للنموذج الذي تطبقه الدول المتطورة ــ الذي يعني الغاء إجراءات الحماية والدعم وفتح الأسواق على مصراعيها إزاء السلع المستوردة ــ سوف يفضي إلى منافسة الإنتاج الوطني والقضاء عليه.

الجمهورية : هل تقصد أنه عند تطبيق أسلوب اقتصاد السوق يجب أن تتدخل الدولة لحماية الاقتصاد الوطني ؟
د .عدنان الصنوي : هذا صحيح .. لأن الدول المتطورة التي تتوفر في اقتصاداتها الإمكانات المادية والتكنولوجية ومزايا الإنتاج الكبير تستطيع بكل سهولة الاستثمارات الوطنية تحقيق المزايا والفوائد عند تطبيق إجراءات اقتصاد السوق بعكس الدول الفقيرة .. في الدول الغنية تنتفي الحاجة إلى تدخل الدولة لحماية الإنتاج الوطني ، أو أن تضحي الدولة بأموالها لإسعاف المؤسسات الضعيفة ، لان الأفضل عندها أن تترك المؤسسات الضعيفة الساحة لمن هي افضل منها ، وان تذهب إلى مجالات اقتصادية أخرى تستطيع فيها إن تحقق المزايا التي تساعدها على الوقوف بوجه منافسة الأخرين.
اما في الدول الفقيرة فإن الحاجة تبقى قائمة إلى تدخل الدولة لحماية انتاجها الوطني .
الجمهورية : ألا يعني هذا أن تطبيق أسلوب اقتصاد السوق في اليمن سيلحق ضرراً بالاقتصاد الوطني ؟

د .عدنان الصنوي : هذا في البداية وهو بديهي وسيكون وضعاً عابراً غير ثابت أو دائم ، لأن الأمر هنا لا يتعلق باقتصاد متطور ، وإنما ببلد فقير هو اليمن الذي تعرض طيلة العقود الماضية لفشل إداري .
كما لم تتمخض فترة ما بعد ثورة الشباب 2011م عن تحسن ملموس في عملية الإنتاج بسبب غياب الأمن ، وتفشي الإرهاب ، وتعثر عملية التنمية الاقتصادية ، بل أن وضع الإنتاجين الزراعي والصناعي ازدادا سوءاً بسبب الغاء إجراءات الحماية ، وتقليص إجراءات الدعم وفتح الأسواق على مصراعيها أمام السلع المستوردة التي راحت تنافس الإنتاج الوطني وتقضي عليه كما اشرنا توا.
وإزاء هذه المصاعب التي يعاني منها الإنتاج الوطني اليمني ليس ثمة بديل أمامنا في الوقت الحاضر غير العودة إلى تطبيق إجراءات الحماية الاقتصادية المتمثلة بزيادة الرسوم الجمركية على السلع المستوردة ، وغيرها من إجراءات الحماية مقابل السلع المنافسة للمنتجات الوطنية الزراعية والصناعية والأخذ بتطبيق إجراءات الدعم الاقتصادي المختلفة ، والاستفادة من ميزات اتفاقيات منظمة التجارة العالمية التي تعطي فرصا للدول الأقل نموا ببعض المميزات .

الجمهورية : ماهي هذه الفرص التي يمكن أن تستفيد اليمن منها ؟

د .عدنان الصنوي : بحسب ما اعرف أنه سبق وأن أثير نقاش بشأن تطبيق اجراءات الحماية والدعم بشأن موقف المنظمات الدولية وبصورة خاصة موقف منظمة التجارة العالمية الذي طالب الحكومة اليمنية في السنوات الاخيرة بإلغاء اجراءات الدعم ، أو رفع الضريبة على المنتجات المستوردة .
وهذا الموضوع وغيره من اجراءات الحماية والدعم هو من الفرص التي يمكن لليمن الاستفادة منها ، واعتقد أنه كان ولا يزال قابلاً للتفاوض مع ادارة المنظمات الدولية ، وقد اقترن هذا التفاوض بالتفهم لظروف اليمن الاقتصادية الحالية.

الجمهورية : ما هو المطلوب من الدولة ومن حكومة الوفاق أو التي ستأتي لاحقاُ لتقوم به في هذا الجانب ؟

د .عدنان الصنوي : كما سبق أن أشرت ظروف اليمن الاقتصادية حرجة جداً في الوقت الحاضر ، وما اتسمت به من تدهور الانتاج اليمني وتعثره في الفترات السابقة .
ولتحقيق النهوض والتطور الاقتصادي السريع يتطلب من الدولة أو من حكومة الوفاق او التي ستليها التدخل لتنظيم الحياة الاقتصادية بتوسيع دورها في عملية التنمية ، وتشجيع الاستثمار من خلال :
اعداد خطط التنمية الاقتصادية القصيرة الامد والطويلة الامد والحرص على تنفيذ بنودها لان اعداد الخطط الاقتصادية وتنفيذها هي الوسيلة الاكثر فعالية سواء في تطوير المؤسسات الاقتصادية القائمة ، ومعالجة مشاكلها وتزويدها بالتكنولوجيا الحديثة ، أو في اقامة المشاريع الاقتصادية الصناعية والزراعية والخدمية الحديثة ، ذات الاثر الكبير في تحقيق النمو والنهوض الاقتصادي والاجتماعي ، نظرا لضعف امكانيات القطاع الوطني الخاص في اقامة مثل هذه المشاريع في المرحلة الراهنة.

ومن الجوانب ذات الاثر الكبير والسريع في تحقيق النهضة الاقتصادية وتطوير القطاع الخاص في آن واحد هو قيام الدولة بإنشاء المشاريع الاقتصادية ، ثم المبادرة الى بيعها على القطاع الخاص ، وخاصة بيعها الى العاملين في هذه المشاريع بعد اكتمال انشائها ونجاحها في الانتاج ، وهذا النموذج في التنمية واحد من عوامل تطور الاقتصاد الياباني ، واعتمدته دول عديدة .
حيث تقوم الدولة بإنشاء المشاريع الزراعية النموذجية بالقرب من المدن ، والتي تقوم على اساس التكامل الزراعي الصناعي ، والاعتماد على الاساليب التكنولوجية الحديثة ، كاستعمال المعدات الزراعية الحديثة ، واساليب الري بالرش والتنقيط وغيرها من الاساليب العلمية الزراعية ، واستغلال اراضي المشروع في زراعة الاعلاف والفواكه والخضروات والمحاصيل ، الى جانب القيام بتربية الاغنام والابقار والدواجن ، ثم القيام بتصنيع منتجات المشروع عن طريق اقامة مشاريع صناعية صغيرة داخل المشروع لإنتاج البيض واللحوم والالبان وتعليب المنتجات الزراعية.
ولا يخفي دور مثل هذه المشاريع الانتاجية في تجهيز المدن بالمنتجات الزراعية ذات النوعيات الجيدة ، وكذلك تشغيل عدد غير قليل من العمال المهرة وخريجي كليات الزراعة والبيطرة. كما ان المبادرة الى بيعها فيما بعد الى العاملين في المشروع او الى الشركات المساهمة او المحدودة ، سوف يساهم في توسيع دور القطاع الخاص وتعزيز موقعه في القطاع الزراعي. فضلا عن دورها في انجاز عملية الارشاد الزراعي للفلاحين في المناطق المحيطة والقريبة من موقع هذه المشاريع .
ولغرض تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية السريعة ، ومعالجة مشاكل الاقتصاد الوطني المتعددة ، وفي سبيل استغلال الموارد الاقتصادية المعطلة بالاعتماد على التكنولوجيا الحديثة ومزايا الانتاج الكبير ، لابد من الاستثمارات الاجنبية لما تمتلك من امكانيات مالية وتكنولوجية وتسويقية هائلة يعجز الاقتصاد اليمني بقطاعيه الحكومي والخاص عن توفيرها.

الجمهورية : دكتور أنت تتحدث هنا عن جوانب النهوض فما هي عوامل النجاح الاساسية التي يجب على الدولة القيام بها ؟

د .عدنان الصنوي : عوامل النجاح الأساسية للتجارب الناجحة تبدأ من توفير المناخ الاستثماري الملائم وعناصر هذا المناخ هي : تشريع قانون الاستثمار وقوانين العمل , واصلاح النظام المصرفي المحلي وبما يتلاءم مع النظم المصرفية العالمية الحديثة والربط معها وتسهيل حركة الاموال من والى داخل البلد , والقضاء على الفساد الاداري والبيروقراطية ومحاربتها بشكل دؤوب لأن الفساد والبيروقراطية كالعقدة والمنشار بالنسبة للاستثمار, وفتح التنافس النزيه للكل سواء للشركات الاجنبية ام الإقليمية او المحلية , وتوفير عنصر الشفافية في التعاملات الاقتصادية في الاسواق المالية والمرافق الاقتصادية والاستثمارية والتي ستعطي الثقة للمستثمرين بجذبهم للاستثمار في البلاد ، وما سيترتب على ذلك من تشغيل الايدي العاملة واستقرارها.
يجب بناء أنظمة الأسواق وقوانينها على قواعد راسخة من التشريعات المحققة لأعلى مراتب الشفافية وأقصى درجات الإفصاح التي تكفل تحقيق العدالة بين المتداولين فيها .
يجب توفير المناخ الكافي للمستثمرين الكبار سواء كانوا شركات محلية او اقليمية او اجنبية والذين لديهم الخبرة والقدرة على تنفيذ المشاريع العملاقة والضخمة والذين عادة ما تكون الدولة بأمس الحاجة الى خبراتهم وكفاءتهم والتزامهم بجداول العمل وتسليمهم المشاريع بالمواعيد المتعاقد عليها بدون تأخير وكذلك توفير المناخ والاجواء المناسبة التي تهم الشركات الصغيرة والجديدة ذات الامكانية المحدودة ممن ترغب باستثمار اموالها بمشاريع صغيرة تتناسب وامكانياتها .

وعلاوة على ما سبق هناك ما يسمى بثقافة الاستثمار، وهي من العوامل الأساسية المهمة في النهوض بالاستثمار .
وثقافة الاستثمار تحتاج الى حملات اعلامية مدروسة ومنسقة تغطي جميع المحاور التي تتعلق بعالم الاستثمار , فمثلا الافراد الذين يرغبون في استثمار اموالهم كما قلنا في مشاريع صغيرة ستجد ان نصفهم يتجه الى الاستثمار في مشاريع تقع ضمن تخصصه كالمهندس مثلا يتاجر بالعقارات وفني التكييف يتاجر بأجهزة التكييف وهذا شيء سائد ومعروف ولكن الامر الذي يذهلك انك ستجد النصف الآخر قد استثمر امواله في مشاريع لا تقع ضمن تخصصه ولم يسبق له العمل بها ولا يملكون معلومات كافيه , ولكن الفكرة ليست بأن تستثمر بمجال تخصصك او تستثمر بمجال ليس تخصصك بل الفكرة هي انك حين تستثمر اموالك بقطاع معين عليك في كلتا الحالتين ان تقوم بعمل دراسة جدوى لهذا المشروع وان تثقف نفسك في مبادئ الاستثمار قبل البدء باي مشروع جديد فالأمر اوسع قليلا من ان تضع مالك فقط في المشروع .

الجمهورية : تتحدث وكان ليس ثمة بيئة ولا وعي للاستثمار في اليمن ؟

د .عدنان الصنوي : للأسف الشديد هذا هو الواقع المؤلم الذي يفرض علينا بقوة أن نسرع ونحث الخطى في ضرورة إيجاد البيئة الملائمة التي تركز على تنمية وتعزيز روح المبادرة الفردية وتنمية المهارات الإدارية والفنية , وكيفية توليد الأفكار الاستثمارية من البيئة المحيطة والموارد الطبيعية والمهارات المحلية والتقنية والمعارض والندوات والمعلومات والأخبار المنشورة وبيانات الاستيراد والتصدير وغير ذلك من الأنماط التي يمكن الاستفادة منها في توليد أفكار المشاريع , و كيفية تقييم الأفكار في مراحلها الأولى , وكيفية تقييم الأفكار بعد تنقيتها واختيار المناسب منها وأي الأفكار التي يبدأ بها المستثمر , علما أن هذه المؤسسات ساهمت في تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي وفي توفير أعداد مناسبة من فرص العمل في البلدان المتقدمة مثل الولايات المتحدة واوروبا وغيرهما وحتى في الشرق الاوسط كالإمارات وتركيا على سبيل المثال لا الحصر.
لذا لابد من اعطاء القطاع الخاص اهمية ومشاركة فعالة في قضية الاستثمار من خلال ازالة الفوارق ودعم المثقفين لهذا القطاع المهم مع التأكيد على ضرورة المام المثقف بالأمور الاقتصادية بغية انجاح عملية الاستثمار.

الجمهورية : لكن هنالك فرق بين ثقافة الاستثمار ، ودور المثقفين في دعم الاستثمار ؟

د .عدنان الصنوي : ما أقصده هو أن نتعامل جميعاً مع عملية الاستثمار بشكل عقلاني وواقعي بحيث نعرف جميعاً المجتمع ونخبه وكافة مكوناته ونتفق على هدف وكيفية مشتركة .

الجمهورية : تقصد أنه يجب تحديد الهدف من الاستثمار ، والكيفية التي تحقق ذلك الهدف ؟

د .عدنان الصنوي : طبعاً لأن الهدف من الاستثمار هو انماء وزيادة المداخيل والرأسمال أما الكيفية لذلك فتاتي عن طريق تعلم المهارات اللازمة لتحقيق الربح وزيادته ودرء مخاطر الخسارة , ومواكبة القضايا الاقتصادية المعاصرة وإبراز القدرات المحلية وتواصلها مع الخبرات الإقليمية والعالمية لتطوير الرؤية الاستثمارية داخل البلد ، وسبل تطويرها والاستفادة من القدرات الوطنية ورفع مستوى الثقافة الاستثمارية لدى المواطنين بمشاركتهم الكوادر العلمية الوطنية والإقليمية والعالمية مع أصحاب الخبرة الاقتصادية لوضع رؤية جيدة للاستثمار , وتطوير البناء المؤسسي والفني والإداري للهيئة العامة للاستثمار، سواء في المكتب الرئيسي او في هيئات الاستثمار في العاصمة او في المحافظات او في الاقاليم وتحويلها إلى هيئة كاملة النمو قادرة على نحو أكثر فاعلية في الترويج والتسهيل للاستثمار في مختلف القطاعات , وعمل برنامج خاص للترويج للاستثمار مع تحديد الاحتياجات الفنية اللازمة لتنفيذ هذا البرنامج , وإجراء مجموعة من الدراسات، والتي منها دراسة في مجالي الاستثمار والتجارة ودراسة أخرى للقطاعات الواعدة وتحديد فرص الاستثمار الواعدة وطريقة الترويج لها واستثمارها على نحو أفضل , وعمل حملات توعية محلية لبناء ثقافة الاستثمار كما أشرت سابقاً .
وخلق البيئة الاجتماعية الواعية والمتفاعلة مع الاستثمار عبر إبراز الفوائد المتعددة للاستثمارات التي ستعود على المجتمع والتنمية برمتها , وادراج منهج استثماري، وتوفير بيئة متكاملة ومتلازمة من التشريعات والاستحقاقات والمحفزات وتكوين مفهوم منهجي موحد لتبادل المصالح والمنافع من جدوى الاستثمار وتحقيق الأهداف الوطنية ومشروعية حقوق المستثمرين، وتركيز الاطمئنان على (الجدوى الاقتصادية) وسهولة الحصول على التراخيص والأراضي والمواقع الجغرافية المغرية ، سيما ونحن نعمل في بيئة ينقصها الكثير من البنى التحتية التي تؤثر على تكاليف الاستثمار والإنتاج والإنتاجية والربحية , والقيام بتجيير جميع الاراضـي باسم هيئة الاستثمار وما يفيـض عن حاجة هيئة الاستثمار يعطى للبلدية او للمالية , وتجنب السلبيات التي تؤخر عمليات الاستثمار .

الجمهورية : إلى متى ستبقى هذه السلبيات ؟

د .عدنان الصنوي :(وهو يبتسم ) هذه السلبيات التي لا حصر لها ستبقى قائمة ما بقيت : الإدارات الحكومية الكفؤة والنزيهة غائبة ، إلى جانب غياب الإجراءات الموثقة والمبسطة والواضحة والشفافة والسريعة في الإدارات الحكومية ذات العلاقة , و غياب المنهجيات المالية الدقيقة والواضحة والمبسطة والسريعة , والغاء القوانين السابقة المعطلة للعملية الاستثمارية , وتحريك الاموال المخصصة للاستثمار وعمل محفزات اقتصادية نافعة للبلد داخل العملية الاستثمارية كالإعفاءات الضريبية مثلا والتي تمتد الى قرابة الـ 15 عاما اذا كان لدى المستثمر الاجنبي شريكيمني وهذا الامر يمكن ان يحرك رؤوس الاموال المحلية وكذلك الايدي العاملة التي ستكتسب خبرات واسعة من خلال عملها في تلك المشاريع , فضلا عن وضع الضوابط الخاصة بالمستثمرين والمتضمنة حقوقهم وكيفية تطبيقها وفق ما ورد في القوانين كذلك ايجاد وفتح قنوات التعاون مع الهيئات الاستثمارية في الخارج بقصد تبادل الخبرات وجذب المستثمرين , وتوسيع قاعدة الاستثمار واكرر على أهمية نشر وتعزيز ثقافة الاستثمار في الشارع اليمني وحتى المسؤولين الحكوميين كثقافة اجتماعية جديدة نحو ماليزيا التي جعلت الرساميل العالمية تفضلها على دول جنوب شرق اسيا .

الجمهورية : من المعني الأول هنا في مثل الظروف التي تمر بها البلاد ؟

لا استثني أحداً من هذه المسؤولية الشعب بكافة مكوناته المختلفة غير أن المبادرة يجب أن تأتي أولاً وقبل أي شيء أخر من وجود الإرادة السياسية القوية التي ستضطلع بمثل هكذا مهمة للتصدي الجاد والمخلص لتفادي المعوقات ، والضعف الاقتصادي السائد في جميع المجالات مثل الزراعة والتجارة والصناعة والمطارات والموانئ والطرق والمياه والكهرباء والمواصلات , وتوفير كافة المستلزمات التي تمكنه من أن يحقق تقدم وازدهار، وان ينتقل من خانة الاقتصاد المتخلف ، والمقعد إلى خانة الاقتصاد النامي والقادر.

تستطيع الإرادة السياسية إذا ما أردت الوصول بالاقتصاد اليمني إلى شط الأمان اعتماد مواصفات ــ تدعى في علم الاقتصاد ـــ بالمواصفات الآمنة أو مواصفات الاقتصاد الآمنة ، وهي مواصفات التي اقل ما يمكن القول عنها انها توفر المسار الآمن للاقتصاد اليمني للسير قدما بالنهوض والنمو والتطور لاحقا , وأهم هذه المواصفات هي :
توفير الفكر الاقتصادي السديد والواعي , و الانتقال من حالة النزاع إلى إعادة التأهيل .
ومن هذه المواصفات : الانتقال إلى اقتصاد حر موجّه نحو النمو يقوم على تخطيط سليم ، وتنفيذ دقيق للمشاريع , وبنية تحتيه اقتصادية قوية وكاملة ذات قدرة قوية على امتصاص الصدمات والازمات الاقتصادية والتكيف معها محليا وإقليميا وخارجيا , وتوسيع في مصادر الدخل , وثبات واستقرار في السياسات الاقتصادية والمالية , وتوفير مجال مفتوح للقطاع الخاص والاستثمار الخارجي .
هنالك نستطيع الانتقال بالاقتصاد اليمني إلى مرحلة متقدمة من التخطيط إلا وهي الرؤية المستقبلية للاقتصاد والتي يجب ان تمثل استراتيجية العمل الوطنية للمرحلة التالية للتنمية الوطنية ، ويجب علينا تمكين الاقتصاد اليمني من تحقيق تحول استراتيجي فلا يبقى معتمدا على الإنفاق الحكومي وعلى الموارد النفطية وإنما ينتقل إلى طور آخر أفضل واشمل وتنويع اقتصادي يجد قواعده المتينة الراسخة في المبادرات الخاصة والعمالة المحلية المتدربة والموارد المتجددة المتنامية وبحيث يؤدي كل ذلك إلى رفع مستوى المعيشة للمواطنين اليمنيين وضمان استفادتهم أينما كانوا في مختلف المناطق من ثمار عملية التنمية .

الجمهورية : في هذا السياق ماهي الاسس التي يجب أن تستقيم عليها الرؤية المستقبلية للاقتصاد اليمني واستراتيجية العمل التجاري في المرحلة القادمة ؟

د . عدنان الصنوي : سؤال في غاية الأهمية .. أهم هذه الأسس تتلخص في : تحقيق التوازن الاقتصادي بين الإيرادات والنفقات ، والقضاء على اي عجز يمكن ان يظهر في الموازنة العامة للدولة ، والعمل على ترشيد الإنفاق، وتنمية وتطوير الإيرادات النفطية , وتوفير إطار اقتصادي شامل مستقر بالعمل , وتقوية التنويع الاقتصادي لمصادر الدخل ، من خلال تنمية القطاعات الإنتاجية القابلة للتصدير، وتنمية قطاع خاص كفوء وفعال ، وتشجيعه للقيام بدور أكبر في الاقتصاد الوطني , وتنمية الموارد البشرية وزيادة كفاءتها، عبر النهوض بسياسات التعليم العام ، والجامعي ، والتأهيل والتدريب المهني ، وتعزيز دور المرأة في سوق العمل ، وإعداد كوادر قادرة على التعامل مع التقنية الحديثة .
تشجيع القطاع الخاص ، ومشاركة المرأة في القوة العاملة وازالة الحواجز التي تعترض طريقها حيث ان مشاركة المرأة يســـهم بشكل ايجابي في التنمية , فالاقتصاد اليمني حاليا , يرتكز على أسس الاقتصاد الحر وقد استطاع خلال السنوات القليلة الماضية رغم العوائق الهائلة على دعم قدراته الذاتية والتفاعل مع مختلف التطورات الاقليمية والدولية والاستفادة من ايجابيتها والحد من سلبيتها بقدر الإمكان .
ويجب فتح قطاعات الاتصالات والموانئ والصناعة والسياحة وغيرها امام الاستثمار الأجنبي .
ويجب إيلاء القطاع المالي والمصرفي الاهمية الكافية من ابرز قطاعات الاقتصاد الوطني ليس فقط لأنه يتفاعل تأثيرا وتأثرا بمختلف القطاعات الاقتصادية الأخرى ، ولكن أيضا لان لهذا القطاع تأثيراته الاجتماعية التي تمتد إلى مختلف شرائح المجتمع بشكل مباشر وغير مباشر من خلال المهام التي تقوم بها مختلف المؤسسات والهيئات المالية وما يترتب عليها من نتائج اقتصادية واجتماعية , ويجب ان يحظى هذا القطاع باهتمام مبكر ومتواصل لتحقيق نقلة نوعية ضخمة قانونية وتنظيمية وهيكلية وعلى نحو يجعل منه واحدا من أكثر القطاعات تطورا وكفاءة وقدرة على التفاعل الايجابي والسريع مع مختلف التطورات المحلية والإقليمية والدولية من ناحية والأخذ بأسباب الاندماج المتزايد في الاقتصاد العالمي من ناحية ثانية , وسن النظم والقوانين والإجراءات التي تؤدي إلى تعزيز الثقة في النظام المالي والمصرفي اليمني .

الجمهورية : سؤال لم نسألك إياه ؟

أسئلة كثيرة .. لكن في النهاية أود أن أوصي حكومة الوفاق الوطني أو الحكومات التي ستأتي بعد ذلك بتشكيل لجان فنية تابعة لمجلس الوزراء على غرار ما قامت به كل من الصين وماليزيا ، وعدد من الدول التي حققت قفزات نوعية وبسرعة قياسية لجان مهمتها رسم السياسات الاقتصادية ، والتخطيطية ، والمتابعة …………. الخ .
مهمة هذه اللجان الفنية القيام بدراسة الخطط والبرامج الاقتصادية والاستثمارية المقدمة من الجهات الرسمية ، والأهلية ، وإبداء الرأي لمجلس الوزراء بالموافقة عليها أو رفضها .
ناهيك عن ان هذه اللجان ستكون بمثابة عين الحكومة على مدى إثبات وجود أي خطة من الخطط على الارض من عدمها ، وعلى متابعة سير تنفيذها بعد الموافقة عليها .

رابط الصحيفة

8 ردود على “د .عدنان الصنوي لصحيفة الجمهورية : يمكننا الاستفادة من الفرص المقدمة من منظمة التجارة العالمية بإلغاء اجراءات الحماية والدعم ورفع الضريبة على المنتجات المستوردة”

  1. Hello just wanted to give you a quick heads up. The text in your post
    seem to be running off the screen in Internet explorer.

    I’m not sure if this is a formatting issue or something to do with internet browser compatibility but I
    thought I’d post to let you know. The layout look great though!
    Hope you get the issue solved soon. Cheers

  2. Thanks for finally talking about > د .عدنان الصنوي لصحيفة الجمهورية : يمكننا الاستفادة من الفرص
    المقدمة من منظمة التجارة العالمية بإلغاء اجراءات الحماية والدعم ورفع الضريبة على المنتجات المستوردة – مركز بحوث التنمية اﻻقتصادية واﻻجتماعية < Liked it!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.